محمد حسين الذهبي

29

التفسير والمفسرون

الناس ويجعلوه أمرا سائغا مقبولا . ومن أمثلة هذا التوفيق والربط بين ظاهر القرآن وباطنه ، قوله تعالى في الآية ( 15 ) من سورة محمد عليه السلام « مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ . » فهم يقرون أن هذا الظاهر مراد اللّه تعالى ، ومراد له مع هذا الظاهر معنى آخر باطني هو علوم الأئمة عليهم السلام ، ويقولون : إن الجامع بين المعنيين هو الانتفاع بكل منهما وبمثل هذا يوفقون بين المعاني الظاهرة والباطنة ، حتى لا يكون مستبعدا إرادة اللّه لمعنى خاص بحسب ما يدل عليه ظاهر اللفظ ، وإرادته لمعنى آخر بحسب ما يدل عليه باطن الأمر . حملهم الناس على التسليم بما يدعون من المعاني الباطنة للقرآن . وكأني بالإمامية الاثني عشرية بعد أن ربطوا بين ظاهر القرآن وباطنه ، وجمعوا بينهما بجامع التناسب والتشابه . . . كأني بهم يعتقدون أن مثل هذا الربط لا يكفى في حمل الناس على أن يذهبوا مذهبهم هذا ، فحاولوا أن يحملوهم عليه من ناحية العقيدة والإلهاب الديني ، الذي يشبه الإرهاب الكنسى للعامة في العصور المظلمة ، من حمل الناس على ما يوحون به إليهم بعد أن حظروا عليهم إعمال العقل ، وحالوا بينهم وبين حريتهم الفكرية ، فقالوا : إن الإنسان يجب عليه أن يؤمن بظاهر القرآن وباطنه على السواء ، كما يجب عليه أن يؤمن بمحكمه ومتشابهه ، وناسخه ومنسوخه ، ولا بد أن يكون ذلك على سبيل التفصيل إن وصل إليه علم ذلك مفصلا عن آل البيت ، ويكفى فيه الإجمال إن لم يصل إليه التفصيل . قالوا : ولا يجوز له أن ينكر الباطن بحال ، وعليه أن يسلم بكل ما وصل إليه من ذلك عن طريق آل البيت وإن لم يفهم معناه ، ولو أن إنسانا آمن بالظاهر وأنكر الباطن لكفر بذلك ، كما لو أنكر الظاهر وآمن بالباطن أو الظاهر والباطن جميعا .